نسيج الرفاق
في باحة الجامعة القديمة، جلس رائد على مقعدٍ خشبيٍّ متآكل، يراقب ضوء الشمس وهو يتسلّل بين أغصان التوت. قال بهدوء:
“بدنا نعمل شي يجمعنا كلنا… مو مشروع دراسة، مشروع حياة.”
رفعت نسرين رأسها من دفترها وقالت:
“خلّينا ننسج لوحة… تكون وجوهنا كلنا فيها، من غير ما تضيع ملامح حدا.”
من جانبه، ضحك سالم وقال وهو يرتّب التراب بحذائه:
“بس خلي الأساس تراب، لأنو نحنا طالعين من نفس الأرض، حتى لو زرعونا بجهات مختلفة.”
رهف، بنت الجبل، رفعت قطعة خشب وقالت:
“رح أعمل الإطار من خشب الزيتون. متين، وما بينكسر بسهولة… مثل الناس اللي واقفة رغم كل شي.”
جاء مروان حاملًا صوفًا مغزولًا بيد أمّه من ريف حمص، وقال بخجل:
“هاد الصوف ناعم متل قلبها… بتقوللي، اللي بينسج شي بإيدو، بيحط فيه قلبو.”
ميساء من الشمال، ضحكت وقالت وهي تمد خيطًا أخضر:
“وهاد خيط من زيتون بلدتنا… خلي الأمل يمر بين العقد متل النسمة.”
فراس، صاحب الصوت الهادئ، سكَب بضع قطرات من ماء النواعير في وعاء الألوان:
“الموي لازم تكون من النهر… هي اللي بتخلي الخيوط تلين وتركب سوا.”
من الساحل، دخل نبيل يحمل أغصان صنوبرٍ عطِرة، وضعها قربهم وقال مبتسمًا:
“ريحة البحر بتساعد الواحد يتنفّس… خلوها تكون هي ريحة اللوحة.”
ليال أخرجت من حقيبتها قوقعة صغيرة وقالت:
“من الشاطئ، فيها صوت الموج… يمكن يعطينا فكرة عن الانسجام.”
رامي، الشركسي الهادئ من الجولان، جمع الحصى الصغيرة وقال:
“هاي من طريق الرجعة. لازم كل لوحة يكون فيها طريق يرجّعنا لبعض.”
سعيد من الشرق مدّ خيطًا أزرق وقال:
“هاد لون الفرات، لا تنسوا النهر اللي بيشربنا كلنا.”
هالة من البادية رفعت خيطًا ذهبيًّا:
“والشمس إلها حصّة. هي اللي بتطل علينا سوا، مهما اختلفت الجهات.”
دارا الكرديّ، نسج بخيوط قطنٍ أبيض، وقال بابتسامة صافية:
“السلام مو شعار، هو خيط، وإذا انقطع، كل اللوحة بتتفكك.”
وأخيرًا، بيان من حيّ شعبي في حلب، مدت خيطًا أحمر وقالت:
“هاد خيط الدم، والدم ما بيفرّق بين حدا. يمكن هو الشي الوحيد اللي بيوحّدنا فعلاً.”
جلسوا جميعًا حول النول الذي صنعوه بأيديهم، كل واحد يضيف لونًا، كل عقدة تحمل قصة، كل غرزَة تلمّ وجعًا.
وحين انتهوا، ظهرت اللوحة: وجوههم متشابكة بخيوطٍ لا تُفكّ، فيها من رائحة البحر، ولون الصحراء، وصوت النواعير، وصبر الزيتون، ونور الفجر.
وقف رائد وقال وهو يتأملها:
“هي نحنا… مو جامعة، مو لوحة… نحنا فكرة اسمها بلد، إذا تفكّت خيوطها، ما بيبقى فيها شيئ
إعداد: حيان ابو خير – السويداء
#نسيج_الرفاق #سوريا #مبادرة_هاد_نحنا








