طائرُ الفينيق
“الجوع ذبحنا يا شباب ” بلهجتهِ المحببة قالها أحدُ الأصدقاء.
أنظرُ إليه مبتسماً، حقاً قد تمكن الجوعُ والتعبُ منا.
كم لبثنا هنا؟ لا أعلمْ. ها نحنُ الآن مستلقين كأكوام رمادٍ تشبه تماماً الرماد الذي يحيطُ بنا من كل صوب. كل منا ينزوي حزيناً، هذهِ القرى استحالت جمراً ودقاقاً.
همسَ صديقي وهو يحمل قدراً من الماء: “لا فائدة مما نفعل”. صديق آخر ما زال يجرُّ خرطوم صهريج المياه ليطفئ تلك الشجرة، وأهالي المنطقة يركضون خلف النار محاولين إخمادها، نحنُ القادمون من الشمال نركض كأننا أهل المنطقة ذاتها. هم مختلفون بكلِ شيء، بثقافاتهم ومعتقداتهم، ونحن أيضاً مختلفون. ما جمعنا جميعاً هو التعبُ والدموع ومحبة هذه الغابات. في كل مرة نرى اقترابَ النار من شجرةٍ جديدة نتألم كأنما أحدنا قد فقد قريباً له. صمتٌ عظيم، ووجوهٌ شاحبة، ودموع تمتزج مع رماد كارثة.
اقترب مني علي، وعليٌ هذا شابٌ لم يتجاوز الثلاثين وهو من أهالي المنطقة، شاهد عينيّ الدامعتين ووجهي الشاحب. ودون أي انتباه مني مد يده وحضنني بقوة كأنه يعرفني منذُ القدم. كان صاحب تعب شديد، قد خرج لتوه من مكان الحريق، سقطَ بين يدي مغشياً عليه. ارتجفتْ يداي وسقطتُ أنا على ركبتي صارخاً: يا الله، للوهلة الأولى اعتقدتُ موته. صرتُ أركض وأصرخ كالمجنون. ركضَ الجميعُ نحوه، ولحسن الحظ كان بالقرب منا سيارة إسعاف قادمة من الرقة مع فوج إطفاء. اقترب المسعف من علي وقام بما يجب من إسعافات أولية إلى أن استعاد عليٌ وعيه. ابتسم المسعف لي ومد يده مصافحاً قائلاً: اسمي آزاد من القامشلي. أجبته سعيداً بما صنع: وأنا علاء من إدلب.
ثم قال: “جعنا يا رجل وما في مطاعم قريبة هون” .
في هذه الأوقات كان رجال الإطفاء مستمرين في عملهم وقد تمت السيطرة على الحريق في المكان الذي نحن فيه. استرحنا قليلاً مستلقين على الرماد، وكأننا نبحث عن أرواحنا.
من بين الظلام والدخان خرجت لنا أم علي، حاملة قدراً كبيراً. وأم علي هذه امرأة في السبعين من عمرها، جميلة كأشجار المنطقة وعتيقة مثلها. اقتربت مبتسمة وقالت: “مافي شي من قيمتكن، شوية مجدرة على الحطب .. اتفضلوا” .
اجتمعنا جميعاً حول هذا القدر، فرحين بإنقاذ ما تبقى من هذه الغابات وبدأنا الطعام، وكأننا نحن عائلة واحدة وكأنما نحن سوريا الأمل الذي لا يزال ينبض في قلوبنا. أم علي الطيبة بدا واضحاً عليها أنها تريدُ مراقبتنا ونحنُ مجتمعون حول طعامها. نظرت إلينا وقالت بصوت مبحوح: “الله لا يحرمكم من بعض، ويا رب تضلوا مجتمعين هيك” .
لبرهة .. عادت الأشجار خضراء ونهض طائرُ الفينيق من الرماد …. واكتملَ القمر .
إعداد: اعداد علي عرجة.. من محافظة إدلب
#منصة_هاد_نحنا #طائر_الفينيق #قصص_من_سوريا #سلام_وأمل






