خبزٌ للسلام
بضحكاتٍ ملؤها الأمل، يتقاسم أطفالٌ من حوران والجبل أولى الأرغفة الناضجة مع خيوط الفجر الأولى، أرغفةٌ يصنعها أبو أحمد في مخبزه المتواضع. مخبزٌ صغير لا يختلف في شكله عن غيره، لكنه يختلف في روح ورسالة صاحبه.
عند باب المخبز، تتزاحم وجوه أنهكتها الأيام وأنهكها الشقاء، بعضها من درعا وبعضها من محافظة السويداء. فرّقتهم الحرب، ثم عاد الخبز ليجمعهم من جديد.
صاحب المخبز، أبو أحمد، رجلٌ خمسيني نحيل الجسد، قوي القلب. يقول بابتسامته الدافئة وهو يخرج الأرغفة الساخنة من التنور:
“الخبز ما لازم ينقطع عن حدا… واللي شبع لازم يذكّر الجوعان إن الدنيا بعدها فيها خير.”
ومع اشتداد الأحداث في محافظة السويداء، نزحت عدد من العائلات إلى المناطق القريبة في درعا، يحملون معهم الخوف والضياع. هناك، احتضنهم الأهالي، فاتحين لهم قلوبهم قبل أبوابهم، ومنهم أبو أحمد الذي قرر أن يفتح مخبزه على مصراعيه، ليس للبيع فقط، بل للعطاء أيضًا.
بدأ مع الأهالي بتوزيع الخبز والماء وبعض المواد الغذائية مجانًا للنازحين، رافضًا أي مقابل مادي، قائلًا إن ما يفعله ليس تبرعًا، بل:
واجب سوريّ يعرف أن السلام يبدأ من كسرة الخبز
لتتحول رائحة الخبز التي تعبق في الحي إلى رمزٍ للوحدة والإخاء، صار الناس يأتون من القرى المجاورة لا لشراء الخبز فقط، بل للمشاركة في العطاء. بعضهم قدّم الطحين، وآخرون الماء أو المساعدة في التعبئة والتوزيع.
وفي كل صباح، تمتدّ الأيدي لتتصافح، لا لتتنازع. الخبز جمعهم حول معنى بسيط وعميق: أن الخير ما زال ممكنًا، وأن رائحة الخبز يمكن أن تكون لغة سلام.
هذه المبادرة الصغيرة تركت أثرًا كبيرًا. أطفال السويداء وجدوا في درعا صدراً حنونًا، ونساء درعا وجدن في الضيوف أخواتٍ لهن. في عيون الناس عاد الأمل، وكأن المخبز لم يعد فقط مكانًا لصناعة الخبز، بل ورشةً لصناعة الإنسانية.
الخبز الذي صنعوه لم يُطعم بطون الناس فقط، بل أشعل في قلوبهم دفء المشاركة وأمل العيش المشترك.
خبزٌ للسلام… لعلّه يكون أول رغيف في مائدةِ وطنٍ يتسع للجميع.
إعداد: علي عوير من درعا
#خيزُ_للسلام #سوريا #درعا #السلام #مبادرة_هاد_نحنا






